محمد محمد أبو موسى

264

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

معوج ، ويستخرج من تعبير القرآن فائدتين ، الأولى نفى أن يكون فيه عوج قط ، والثانية أن لفظ « عوج » مختص بالمعاني دون الأعيان « 11 » . ويقول القرآن في موضع آخر : « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً . قَيِّماً » « 12 » فيجمع بين نفى العوج واثبات الاستقامة ، ويقول الزمخشري : « فان قلت : ما فائدة الجمع بين نفى العوج واثبات الاستقامة وفي أحدهما غنى عن الآخر ؟ قلت : فائدته التأكيد ، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح » « 13 » . فإذا ما نقل القرآن استعمال الكلمة من المعاني التي هي مختصة بها إلى الأعيان اجتهد الزمخشري في بيان ملاءمتها لسياقها ولما ذا آثرها القرآن على غيرها . يقول في قوله تعالى : « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً . فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً . لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً » « 14 » : « فان قلت : قد فرقوا بين العوج والعوج فقالوا العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في الأعيان والأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين ؟ قلت : اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة ونفى الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون ، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء من الفلاحة واتفقتم على أنه لم يبق فيها عوج قط ثم استطلعت رأى المهندس فيها وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية لعثر فيها على عوج في غير موضع لا يدرك ذلك بحاسة البصر ، ولكن بالقياس الهندسى فنفى اللّه عز وجل ذلك العوج الذي دق ولطف عن الادراك ، اللهم الا بالمقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة وذلك الاعوجاج لما لم يدرك الا بالقياس دون الاحساس لحق بالمعاني فقيل عوج بالكسر » « 15 » .

--> ( 11 ) ينظر الكشاف ج 4 ص 97 ( 12 ) الكهف : 1 ، 2 ( 13 ) الكشاف ج 2 ص 548 ( 14 ) طه : 105 - 107 ( 15 ) الكشاف ج 3 ص 69